أحمد زكي صفوت

86

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فلما قدم على الرشيد دخل عليه ، فقبّل يديه ورجليه ، ثم مثل بين يديه ، فقال : « الحمد للّه يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي ، وأجاب دعوتي ، ورحم تضرّعى ، وأنسأ « 1 » في أجلى ، حتى أراني وجه سيدي ، وأكرمني بقربه ، وامتنّ علىّ بتقبيل يده ، وردّني إلى خدمته ، فو اللّه إن كنت لأذكر غيبتي عنه ، ومخرجى والمقادير التي أزعجتنى ، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني ، وخطايا أحاطت بي ، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين - جعلني اللّه فذاك - لخفت أن يذهب عقلي ، إشفاقا على قربك ، وأسفا على فراقك ، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك ، والحمد للّه الذي عصمني في حال الغيبة ، وأمتعنى بالعافية ، وعرّفنى الإجابة ، ومسّكنى بالطاعة ، وحال بيني وبين استعمال المعصية ، فلم أشخص إلا عن رأيك ، ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك ولم يخترمنى أجل دونك ، واللّه يا أمير المؤمنين - فلا أعظم من اليمين باللّه - لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلّها ، لاخترت عليها قربك ، ولما رأيتها عوضا من المقام معك » . ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام : « إن اللّه يا أمير المؤمنين لم يزل يبليك « 2 » في خلافتك ، بقدر ما يعلم من نيّتك ، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك ، فيصلح لك جماعتهم ، ويجمع ألفتهم ، ويلمّ شعثهم ، حفظا لك فيهم ، ورحمة لهم ، وإنما هذا للتمسك بطاعتك ، والاعتصام بحبل مرضاتك ، واللّه المحمود على ذلك وهو مستحقّه . وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك ، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك ، متمسكون بحبلك ، نازلون على حكمك ، طالبون لعفوك ، واثقون بحلمك ، مؤمّلون فضلك ، آمنون بادرتك ، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم ، وحالهم في ألفتهم كحالهم

--> ( 1 ) أخر . ( 2 ) ينعم عليك .